أبو حامد الغزالي

60

تهافت الفلاسفة

السراب ، كما اتفق لطوائف من النظار في البحث عن العقائد والآراء ، من أهل البدع والأهواء . وإنما مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة ، كسقراط « 1 » وبقراط « 2 » وأفلاطون « 3 » وأرسطوطاليس « 4 » وأمثالهم ، وأطناب طوائف من متبعيهم وضلالهم « 5 » في وصف عقولهم ، وحسن أصولهم ، ودقة علومهم : الهندسية ، والمنطقية ، والطبيعية ، والإلهية ، واستبدادهم « 6 » - لفرط الذكاء والفطنة - باستخراج تلك الأمور الخفية ، وحكايتهم عنهم أنهم - مع رزانة عقولهم وغزارة فضلهم - منكرون للشرائع والنحل ، وجاحدون لتفاصيل الأديان والملل ، ومعتقدون أنها نواميس مؤلفة وحيل مزخرفة . فلما قرع ذلك سمعهم ، ووافق ما حكى من عقائدهم طبعهم ، تجملوا باعتقاد الكفر ، تحيزا إلى غمار الفضلاء بزعمهم ، وانخراطا في سلكهم ، وترفعا عن مسايرة . الجماهير والدهماء ، واستنكافا من القناعة بأديان الآباء ، ظنا بأن إظهار التكايس في النزوع عن تقليد الحق ، بالشروع في تقليد الباطل ، جمال ، وغفلة منهم عن أن الانتقال إلى تقليد عن تقليد ، خرق وخبال ؛ فأية رتبة في عالم اللّه أخس من رتبة من يتجمل بترك الحق المعتقد تقليدا ، بالتسارع إلى قبول الباطل تصديقا « 7 » دون أن يقبله خبرا وتحقيقا ، والبله من العوام بمعزل عن فضيحة هذه المهواة ، فليس في سجيتهم حب التكايس بالتشبه بذوي الضلالات ، فالبلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء ، والعمى أقرب إلى السلامة من بصيرة حولاء .

--> ( 1 ) فيلسوف يوناني ولد 470 ق . م . ( 2 ) هو أبو الطب القديم ولد عام 460 ق . م . ( 3 ) فيلسوف يوناني ولد بأثينا فيما يرجح بين سنتي 429 ، 427 ق . م . ( 4 ) فيلسوف يوناني ولد باسطاجيرا عام 384 ق . » م . ( 5 ) الضالين بسببهم . ( 6 ) واستقلالهم . ( 7 ) يعنى تقليدا .